الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

136

أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )

تارة يوجد منها كميّة كبيرة كالماء على الشاطئ ، وأخرى ليست كذلك ، وفي الصورة الثانية ينتزع منها عنوان المالية ، لأنّ سائر الناس يبذلون بإزائها مالا لينتفعوا بها ، ومن هنا نشأت المالية في المجتمع الإنساني ، ومن بعدها الملكية ، ومن الواضح أنّ النفع النادر لا يكون معيارا للحكم عندهم في هذه المقامات . والشاهد عليه أنّه إذا أتلفه إنسان لا يرونه ضامنا لشيء من المال وان كان محلّ رغبته بشخصه ، ويحتاج إليه لبعض مقاصده ويبذل بعض أمواله ليتسلّط عليه ويكون تحت يده . وكذلك لا يعدّ عندهم غنيّا بذلك ، ولا يحسب في الإرث ، نعم لو كان له حقّ الاختصاص بحسب ملاكات عقلائية جرى عليه حكمه . ومن العجب إنكار هذه الأمور من ناحية بعضهم مع أنّها من الواضحات ، فالماء على الشاطئ والحصاة في الوادي ليست مالا وإن تعلّق بعض الناس بشيء منها بالخصوص . ثمّ إنّ المعاوضات - لا عنوان البيع فقط - تدور مدار المالية ، وبدونها لا تعدّ القوانين العقلائية لها معنى ، فلا تدور مالية الماء على طريقة العقلاء مدار رغبات الأشخاص والآحاد ، بل المدار في الجميع هو علاقة النوع ، فقد تكون رغبة شخص في شيء خاص أكثر من غيره بمراتب ، بينما لا يكون عند سائر الناس كذلك ، وأحكام الضمانات وسهام الإرث وغيرها كلّها تدور على هذا المدار لا ذاك . وحينئذ لا يبقى مجال بأن يقال : إنّ عدم شمول عنوان البيع له لا يمنع اندراجه تحت عنوان مطلق المعاوضة عن تراض ، كما أنّ المراجعة إلى أهل اللغة في إثبات عدم لزوم عنوان المال في البيع لا طائل تحته . أمّا أوّلا : فلأنّ فهم معنى البيع أظهر من أن يحتاج إلى مراجعة اللغويين ، فهو لفظ لا يزال يدور على ألسنتنا ، أو ألسنة أهل اللغة وكتبهم التي بأيدينا ليلا ونهارا ، ولا شكّ أنّه لا معنى للبيع إذا لم يكن هناك مال . وأمّا ثانيا : فلأنّ عنوان المعاوضة أيضا كذلك لا معنى له بدون عنوان المال ، ولا يرى العقلاء قيمة لمعاوضة شخصية تدور مدار رغبات نادرة خاصّة ، ولذا لا يرون له ضمان ، ولا اندراج في الإرث من حيث القيمة كما عرفت آنفا . وقد جعل بعض الأعلام في مكاسبه المدار على « العرض » و « الطلب » حتّى لو نشأ عن